إحدى الخصائص الغامضة للرائحة هي أنها تقيم روابط مع الأشياء والأشخاص والأمكان. ويمكن أيضا أن تساعدك على اكتشاف جوانب خفّية من شخصّيتك. شيء ما من قبيل اكتشاف الذات واستنطاق المشاعر واستكناه الرغبات الكامنة. خبراء العطور اليوم يستطيعون التعّرف على شخصّيتك وطبيعة انفعالاتك من خلال عطرك المفّضل. يكفي مثلا أن تذكر اسم عطر أو اثنين ليكون ذلك مفتاحا لقراءتك من الداخل ومعرفة أدّق سمات شخصّيتك٬ مثل ألوانك المفّضلة والموسيقى التي تحّب سماعها بل والأماكن التي ترتاح لارتيادها أكثر من سواها. يقول الروائي ساسكيند إن للروائح قّوة إقناع أكثر من الكلمات أو التعبير الصريح عن المشاعر. كما أن القدرة الاقناعية للعطر لا يمكن مقاومتها. إنها تنفذ إلى دواخلنا مثلما ينفذ الهواء إلى الرئتين فيملأهما“.  وهناك دائما نوع من الشعور الذي يثيره العطر. حّب أّول٬ لقاء حميم٬ وداع٬ صورة من زمن الطفولة٬ شخص خاص٬ مزاج ما٬ حالة حنين إلى لحظة معّينة في مكان ما من زمن ماض٬ إلى آخره. والعطر يمكن أن يكون عامل تحفيز وإلهام. كما انه لا شيء يستثير الذاكرة مثل نفحة عطر. بل لقد ثبت أن تأثير الرائحة على الذاكرة يفوق تأثير بقّية الحواس. وفي حالات كثيرة فإن أثر العطر الذي يضعه الإنسان يكون أقوى مّما يمكن أن توفره المصافحة بالأيدي. بل إن العطر يمكن أن يقول عن صاحبه أكثر مّما يمكن أن يقوله خّط يده أو طريقته في الكتابة. بعض أنواع العطور برغم كلاسيكّيتها وقدمها ما تزال تجد طريقها إلى القلب والعقل وتلهب الأحاسيس وتثير المخّيلة. وأقرب الأمثلة على ذلكْ كِريد سيلفر ماونتين٬ ودراكار من جيل لاروش. وأيضا لا يبدو أن النساء اقّل افتتانا من الرجال بهذين العطرين. والحقيقة انه يصعب أحيانا في عالم العطور رسم خط فاصل بين ما هو كلاسيكي وخالد وبين ما هو عصري وحديث. وهناك من يرى أن الكلاسيكي ليس معناه القديم بالضرورة. ما يحدث هو أن بعض العطور يعاد تركيبها ومزجها والإضافة إليها بطريقة مبتكرة حتى تروج وتبيع. والعطر قريب الشبه جّدا بالموسيقى من حيث أن كليهما يتضّمن عنصري الإيقاع والتناغم. فالموسيقى ذات الإيقاعات المتناسقة تطرب الإنسان وتحمله إلى أماكن مختلفة. والعطر هو الآخر يأخذ الإنسان في اتجاهات متعّددة متى أمكن التحّكم في مسارات الرائحة ودرجات تركيزها وبرودها أو جفافها. وقد تثير الرائحة في الذهن صورا وأشكالا وألوانا وحالات وبيئات معّينة. انه نوع من تزامن الحواّس الذي تحّدث عنه الفلاسفة والفنانون منذ القدم٬ وهي ظاهرة بعضها فطري والبعض الآخرُيكتسب عن طريق التجربة والمران. كما أن هناك علاقة وثيقة بين العطر والرسم. فقد يعجب الواحد منا بلوحة ما ويستوقفه تناسق عناصرها وتناغم ألوانها. والعطر لا يختلف كثيرا عن اللوحة. فمدى نجاح وشعبية عطر ما تعتمد على إلمام صانعه بمهّمته ودقته في اختيار نسب المكّونات والعناصر التي يتألّف منها العطر. وهناك عنصر آخر مشترك بين العطر والموسيقى والرسم. وهو عنصر المتعة التي تشّكل هاجسا دائما للإنسان. والمتعة الكامنة في العطور يصعب شرحها أو تفسيرها. لكنها مّتصلة بالعقل والحواّس. والمتعة ليست فقط في رائحة الأزهار والنباتات والأخشاب العطرية٬ وإنما تمتّد لتشمل رائحة الفحم والتبغ وحتى رائحة الكتب القديمة. وكّل هذا المزيج الغريب من الروائح موجود في تركيب أفضل وأغلى أنوع العطور المعروفة في العالم اليوم. ولا بّد وأن ذاكرة كّل منا تختزن عددا من روائح العطور التي خبرناها في مراحل مختلفة من حياتنا. وكّل رائحة تستحضر شعورا ما. بعضها يذّكرنا بليالي الصيف في الأزقة القديمة وبعضها يذّكرنا بصديق أو حبيب قديم. وبعضها الآخر برائحة رياح الخريف الممزوجة بالمطر وهي تهّب فوق الحقول.